كان الاجتماع الثالث لنواب وزيري خارجية إيران والمملكة العربية السعودية في طهران خطوة مهمة نحو استقرار العلاقات بعد اتفاق بكين؛ وهو اجتماع أظهر أن طهران والرياض قد اعتمدتا نهجاً عملياً أكثر للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني.
بحسب وكالة أنباء عاشوراء، نقلاً عن وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية (إرنا)، عُقدت الجولة الثالثة من الاجتماع المشترك لنائبي وزيري خارجية إيران والسعودية في طهران، بدعم من الصين، في الثامن من ديسمبر/كانون الأول. وقد أضاف هذا الاجتماع، الذي واصل مسار خفض التصعيد وإعادة العلاقات بعد اتفاق بكين التاريخي، أبعاداً جديدة وأعمق لعملية تطبيع العلاقات الثنائية. وأظهر الاجتماع أن الحوار السياسي بين طهران والرياض قد تجاوز الإطار الأولي ودخل مرحلة منظمة وهادفة قائمة على أجندات تنفيذية محددة. ويبدو أن اختيار طهران لاستضافة الاجتماع قد يشير إلى أن عملية التطبيع لم تعد مجرد تجربة دبلوماسية، بل أصبحت إطاراً مستداماً لإدارة العلاقات، والحد من سوء الفهم، ووضع آليات تعاون طويلة الأمد.
وبعد سنوات من التنافس والتوتر، شكّل اتفاق الأول من مارس/آذار 1401 في بكين، بوساطة صينية، فصلاً جديداً في العلاقات الإيرانية السعودية. مهدت الجولة الأولى من محادثات نواب الوزراء في بكين والجولة الثانية في الرياض الطريق لإحياء العلاقات القنصلية، ومراجعة التعاون الأمني، والسعي إلى إبرام اتفاقيات اقتصادية، وتصميم آليات مشتركة. والآن، يمثل الاجتماع الثالث في طهران الانتقال من مرحلة بناء الثقة الأولية إلى مرحلة ترسيخ العلاقات، وتوسيع نطاق التعاون، والتخطيط طويل الأجل؛ وهي رسالة واضحة مفادها أن البلدين، انطلاقاً من اتفاق بكين، يبنيان مساراً مستداماً لإدارة الخلافات وتعزيز التعاون.
كتب ماجد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، على حسابه في موقع "إكس" الإلكتروني، عن الاجتماع: "عُقد اليوم في طهران الاجتماع الثالث للجنة الثلاثية المشتركة بين إيران والسعودية والصين لمتابعة اتفاق بكين. وحضر الاجتماع وليد الخراجي، نائب وزير الخارجية السعودي، ومياو ديو، نائب وزير الخارجية الصيني. وتسعى الدول الثلاث إلى توسيع التعاون في مختلف المجالات، كما أكدت على أهمية الحوار والتعاون الإقليمي بين دول المنطقة بهدف تعزيز الأمن والاستقرار والسلام والازدهار الاقتصادي. ودعت الدول الثلاث إلى وقف فوري للعدوان الإسرائيلي على فلسطين ولبنان وسوريا، وأدانت بشدة هذا العدوان وانتهاك سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ووحدة أراضيها. وأكدت الدول الثلاث عزمها على تسخير الإمكانيات الكبيرة للجنة الثلاثية المشتركة لخدمة شعوبها."
هذه هي المرة الأولى منذ اتفاقية بكين التي تستضيف فيها إيران اجتماعًا رسميًا على هذا المستوى. ومن خلال استضافة هذه الجولة، سعت طهران إلى نقل العلاقات من مستوى "إعلان المواقف" إلى مستوى "العمل والتنفيذ المُجدول". في هذا الاجتماع، لم يقتصر الأمر على تأكيد الجانبين على التنفيذ الكامل لاتفاقية بكين، بل حافظت الصين، بصفتها طرفًا ثالثًا، بنشاط على دورها كميسر ومراقب وداعم؛ مما حوّل البنية الجديدة للعلاقات بين طهران والرياض من الاعتماد فقط على الإرادة المشتركة إلى عملية متعددة الأطراف تحظى بدعم دولي موثوق.
وكانت القضايا القنصلية أحد المحاور الرئيسية لاجتماع طهران. ناقش الجانبان تسهيل سفر المواطنين، وزيادة الرحلات الجوية المنتظمة، وتقديم الخدمات للحجاج، وإزالة العقبات القنصلية. وبالنظر إلى وجود أكثر من 85 ألف حاج إيراني وأكثر من 210 آلاف معتمر إيراني في عام 2025، فإن تطوير التعاون القنصلي ليس ضرورة تنفيذية فحسب، بل هو أيضًا اختبار عملي لقياس التعاون الثنائي.
في القطاع الأمني، ركزت المحادثات على إدارة الأزمات الإقليمية، ومنع تصعيد النزاعات، وبناء فهم مشترك للتهديدات. وتصدرت التطورات في غزة النقاشات. وشددت طهران والرياض، بوصفهما قوتين مؤثرتين في العالم الإسلامي، على ضرورة الوقف الفوري للعدوان الإسرائيلي في فلسطين ولبنان وسوريا.
أما فيما يتعلق باليمن، فقد اتفق الجانبان، بالإضافة إلى الصين، على حل سياسي شامل برعاية الأمم المتحدة؛ وهو موقف ورد صراحةً في البيان الثلاثي المشترك. ويرى المحللون أن تحسين العلاقات بين طهران والرياض من شأنه أن يكون له أثر مباشر وملموس على تخفيف حدة التوتر في اليمن وتسريع وتيرة المحادثات السياسية.
وفي المجال الاقتصادي، أكد الجانبان على تفعيل اللجان المشتركة وإطلاق مشاريع محددة في مجالات الطاقة والنقل والاستثمار والتجارة. ويُعد حضور الصين في هذه العملية بالغ الأهمية، إذ يمكن لبكين، بخبرتها الناجحة في مشاريع البنية التحتية والربط الإقليمي، أن تكون ضامناً تنفيذياً وداعماً للتعاون الاقتصادي الثلاثي. تُظهر هذه المرحلة من العلاقات أن الاقتصاد قد تجاوز مرحلة المفاوضات ويتجه نحو تصميم مشاريع حقيقية وقابلة للقياس، وهو تطور من شأنه تعزيز الثقة المتبادلة.
وفي المجال الثقافي، نُظر في التعاون الإعلامي والتبادل الثقافي. وأكد الطرفان أن العديد من التوترات السابقة كانت ناجمة عن سوء فهم إعلامي، وأن التعاون في هذا المجال من شأنه أن يُسهم في استقرار المناخ الاجتماعي للعلاقات.
لا يزال دور الصين محوريًا. فقد أصبح اتفاق بكين الركيزة الأساسية للعلاقة الجديدة، وتضطلع بكين، بصفتها وسيطًا محايدًا وداعمًا لعملية خفض التصعيد، بدور الضامن السياسي. وأظهر اجتماع طهران أن هذا الدور لم يقتصر على الحفاظ عليه فحسب، بل يتوسع أيضًا. فمن خلال إعلان استعدادها لمواصلة دعم العلاقات بين طهران والرياض، أضافت الصين أبعادًا جديدة للدبلوماسية الشرقية في المنطقة؛ وهي عملية من شأنها أن تخلق بديلًا للأطر التقليدية ذات التوجه الغربي.
ومن أبرز سمات هذه الجولة الانتقال من المناقشات العامة إلى خارطة طريق للتنفيذ؛ حيث يعمل البلدان على تحديد المؤشرات والجداول الزمنية وآليات المتابعة. وسيضمن الاتفاق على عقد اجتماعات دورية على مستوى الخبراء استمرار عملية التطبيع ومنع أي انقطاعات محتملة. وفي الوقت نفسه، فإن القطاع الخاص في البلدين على أهبة الاستعداد للدخول في مرحلة جديدة من التفاعلات التي من شأنها أن تجعل التفاعلات الاقتصادية أكثر استدامة وتنوعًا.
أظهر الاجتماع الثالث لنائبي وزيري خارجية إيران والسعودية في طهران أن عملية تطبيع العلاقات قد دخلت مرحلةً عمليةً ومنهجيةً ومنظمةً وقابلةً للتنفيذ. لم يقتصر الاجتماع على تعزيز تنفيذ اتفاق بكين فحسب، بل مهّد الطريق أيضاً لتوسيع التعاون القنصلي والاقتصادي والأمني والثقافي والإقليمي. وإذا ما استمر هذا المسار، فقد يُفضي إلى اجتماعات على مستوى وزراء الخارجية، بل وإلى آليات تعاون مؤسسية مستدامة في المستقبل القريب؛ وهو تطور سيكون له آثار مباشرة على استقرار وأمن غرب آسيا.

ارسال تعليق