لماذا من الضروری السعی للثأر للإمام الشهید؟

ما هو ثمن دماء القائد الشهيد؟ هل يُختزل في رد عسكري أم في عمل مؤقت؟ الحقيقة أن ثمن دماء كل عظيم يتناسب طرديًا مع المثل الأعلى الذي كرس حياته من أجله. فإذا كان المثل الأعلى للقائد الشهيد في الثورة هو بناء دولة مستقلة، قوية، متقدمة، ذات كرامة وطنية، فإن أحد أهم تضحياته سيكون مواصلة هذا الدرب.

startNewsMessage1

بحسب موقع عاشوراء نيوز، نقلاً عن وكالة فارس للأنباء: وما محمد إلا رسول من قبل الرسل، والله يبارك على الشاكرين (آل عمران/144)، وما محمد إلا رسول من الله، وقد جاء الرسل من قبله وذهبوا، فإن مات أو قُتل أرجعون؟ (وأنتم ترتدون عن الإسلام وترجعون إلى أيام الجاهلية والكفر؟) ومن رجع فلن يضر الله، والله سيجازي الشاكرين سريعاً. ومن الثوابت في تاريخ الأمم أن الحق لا يتقدم بالشعارات والادعاءات وحدها، بل يُختبر في أوقات الشدة باختبارات عظيمة. وقد بيّن الله مراراً أن الأمم المؤمنة، بعد فقدان قادتها وهدايتها، تُبتلى باختبار مصيري، يُكشف فيه من هو مخلص للأفراد، ومن آمن بنهج الله ومثله الأعلى ووعده. وهذا ليس حكراً على الأمس واليوم، فقد واجهته أمم كثيرة من قبل. جاء الأنبياء، وأدّوا رسالتهم، وجابوا الناس، لكنّ المسيرة الإلهية لم تتوقف. وما حدّد مصير الأمم هو كيفية تعاملها مع هذه الخسائر. فمنهم من واصل مسيرته، ومنهم من تراجع عند أول صدمة، ونسي كل شيء.

شهد تاريخ الأمم المقدسة هذا المشهد مرارًا وتكرارًا. وقف نوح عليه السلام ثم رحل لقرون ليهدي الناس. قاد موسى عليه السلام بني إسرائيل عبر أشد العواصف ثم فارق الحياة. استشهد أمير المؤمنين عليه السلام على المذبح. سُمِّم الإمام الحسن عليه السلام ظلمًا وقُتل. سُحب الإمام الحسين عليه السلام إلى الأرض مع أصحابه في كربلاء. لكن السؤال الأهم يبقى: ماذا فعل الناس بعد رحيل أولياء الله؟ عادةً ما يبدأ أعظم اختبار إلهي لا في وجود القادة، بل بعد المصائب وإراقة الدماء ظلمًا. كان كثير من الناس في زمن الإمام الحسين عليه السلام يعلمون أنه على حق، ولكن عندما أُريق دم ابن النبي على الأرض، نسوا واجبهم. لم يطالبوا بالدم، ولم يواصلوا الطريق، ولم يقفوا في وجه الظلم. كان هذا اللامبالاة سببًا في فشلهم في أحد أعظم الاختبارات في التاريخ. واليوم، لا تزال القضية الأساسية هي نفسها. إذا ما تم التركيز على استشهاد قائدنا، فذلك لأن المجتمع لا ينبغي أن ينسى هذه الحادثة الجللة، أو يعتاد عليها، أو يتغاضى عنها. فالأمم التي تنسى دماء أسلافها ستنسى تدريجيًا مُثلها العليا. وإذا ما أصررنا اليوم على استشهاد قائدنا، فذلك تحديدًا لهذا السبب المصيري. يجب أن يكون صراخنا ومطالبتنا العالية: لماذا لا يُذكر حق قائدنا المشروع في الاستشهاد عندما نحضر المحافل الدولية؟ لماذا لا يتم التأكيد على بند "الالتزام بعدم استهداف مسؤولي الدولة، وخاصة قائد العالم الإسلامي" خلال المحادثات والمفاوضات؟

يجب علينا اليوم أن نطالب بدم قائدنا الذي أُريق ظلمًا، وأن نطالب السلطات بعدم التراجع عن هذه القضية الحيوية في مواقفها الداخلية والخارجية. ومثال واضح على هذه الحقيقة ما حدث في غزوة أحد. فعندما انتشر خبر استشهاد النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) بين المسلمين، انتاب الكثير منهم القلق. انسحب البعض من المعركة، وفكّر آخرون في حلول وسط، بل وظنّ بعضهم أن مستقبل الإسلام قد انتهى. لكن في اللحظة نفسها، نهضت فئة أخرى وذكّرتهم بأنه إذا قُتل النبي، فإن إله النبي حيّ؛ وإذا غاب حامل الراية، فلا ينبغي أن تبقى الراية على الأرض. هذا هو الدرس العظيم لإحدى؛ فالهزيمة الحقيقية لا تحدث عندما يضرب العدو، بل عندما يتردد المجتمع، وينسى الهدف، ويمتنع عن أداء واجبه. في تلك الحادثة نفسها، علّم الله المسلمين أن محور الحركة ليس الأفراد؛ بل هو الحق والواجب اللذان وُضعا على عاتق المؤمنين. اليوم، يواجه مجتمعنا اختبارًا من النوع نفسه. إن استشهاد القائد والشخصيات العظيمة للأمة ليس مجرد حادث سياسي أو أمني؛ بل هو اختبار تاريخي. اختبار يُظهر ما إذا كان المجتمع سيواصل مسيرته ومبادئه أم لا. في مثل هذه الظروف تحديدًا، تكتسب مسألة سفك الدماء معنىً عميقًا. سفك الدماء ليس مجرد رد فعل عاطفي أو انتقامي؛ بل هو إعلانٌ للحقيقة القائلة بأنه بتصفية الأفراد، لن يتوقف المسار ولن تُنسى الأهداف.

إذا كان اللامبالاة بدماء حامي الله في حادثة عاشوراء أحد عوامل انهيار المجتمع، فإن اللامبالاة اليوم بالدماء الطاهرة التي أُريقت في سبيل شرف واستقلال هذه الأمة قد تُكلّف ثمنًا باهظًا. فالمجتمع الذي لا يُبالي بدماء شهدائه سيُصبح تدريجيًا غير مُبالٍ بمبادئهم. وهنا تبرز أهمية الردع. فأي أمة لا تستطيع رفع تكلفة مهاجمة قادتها وزعمائها وشخصياتها الاستراتيجية بالنسبة للعدو، تُمهّد الطريق عمليًا لتكرار الجرائم نفسها. لا يُمكن الحفاظ على الأمن القومي بالعتاد العسكري وحده؛ فجزءٌ منه يكمن في معرفة العدو أن مهاجمة أركان الأمة لن تمر دون ردّ أو ثمن. ولهذا السبب، لا يُمكن لأي حوار أو اتفاق أو مفاوضات تُعقد بشأن مستقبل البلاد أن تتجاهل هذه المسألة. كما تطالب الدول بضمانات لحماية حدودها وبنيتها التحتية ومصالحها الاستراتيجية، فإن الحفاظ على أمن قادتها وشخصياتها رفيعة المستوى يُعدّ جزءًا من أمنها القومي وحقوقها المشروعة. إن الدولة التي تتجاهل هذه المسألة تُصبح في الواقع غير مبالية بجزء من مستقبلها.

لكن ما هو ثمن دماء القائد الشهيد؟ هل يُختزل في مجرد رد عسكري أو عمل مؤقت؟ الحقيقة أن ثمن دماء كل عظيم يتناسب مع المثل الأعلى الذي عاش من أجله. فإذا كان المثل الأعلى للقائد الشهيد للثورة هو بناء دولة مستقلة، قوية، متقدمة، ذات كرامة وطنية، فإن أحد أهم جوانب تضحيته هو مواصلة هذا الدرب. إيران القوية ليست مجرد شعار سياسي، بل هي ترجمة عملية لتلك التضحية. الإيراني الذي يعتمد اقتصاده على قوته الداخلية، والذي تحافظ ثقافته على هويتها، والذي لا يعتمد أمنه على الأجانب، والذي لا تُتخذ قراراته المصيرية تحت ضغط قوى أجنبية، يكون قد دفع بالفعل جزءًا من ثمن دماء شهدائه. كل خطوة تخطوها الأمة والمسؤولون على درب الاستقلال والتقدم والسلطة والكرامة هي استمرار للدرب الذي ضحى الشهداء بحياتهم من أجله. إيران التي تنعم باقتصاد وثقافة وأمن متين وديناميكي، دون أن تبيع ذرة من استقلالها وكرامتها بثمن الغرور. لذا، فإن الخطوة الأولى لتحقيق ثمن تضحياتهم هي بذل جهد شامل لإزالة العقبات التي تعترض سبيل بناء إيران قوية. ولكن ما هي هذه العقبة الرئيسية؟ إنها أمريكا ونظام الهيمنة. فإذا كنا نهتف اليوم بضرورة طرد أمريكا من هذه المنطقة، فذلك تحديدًا لأننا نسعى لبناء إيران قوية وراسخة.

لكن تحقيق هذا الهدف غير ممكن دون "النهضة في سبيل الله". فكل التطورات العظيمة في تاريخ الإسلام والثورة الإسلامية انطلقت من هذه النقطة؛ من اللحظة التي تجاوز فيها الإنسان مصالحه الشخصية وانطلق إلى سبيل الله. إن القوة التي تُبقي الأمم في الميدان ليست مجرد حسابات مادية، بل الإيمان بهدف أسمى. إنها الروح نفسها التي دفعت الشعوب في مختلف مراحل التاريخ إلى الساحة وجعلتها صامدة في وجه الصعاب. اليوم، تقع على عاتق الجيل الحالي، ولا سيما الشباب والنخب والمثقفين والناشطين الثقافيين والاجتماعيين، المهمة الأهم. يجب ألا يسمحوا لمُثل الشهداء بأن تصبح مجرد ذكرى تاريخية. إن التضحية الحقيقية هي استمرار للنهج. إنها تبني، وتخلق الأمل، وتعزز السلطة الوطنية، وتصون استقلال البلاد، وتقف على المبادئ التي أُريقت من أجلها دماء طاهرة.

علمنا أحد أنه بعد كل ضربة، يمكن للمرء أن ينهض من جديد. وعلمتنا عاشوراء أن دماء الحق لا تضيع سدى. كما أظهرت تجربة الثورة أنه كلما سارت الأمة على طريق انتفاضة الله، فُتحت أمامها دروب جديدة. لذلك، فإن هذا الاختبار ليس نهاية المطاف، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة؛ مرحلةٌ، بالبقاء أوفياء للمبادئ، والحفاظ على روح المقاومة، وتعزيز الردع، والمطالبة بالعدل، والتمسك بالوعود الإلهية، سيُشرق مستقبلٌ أكثر إشراقًا لإيران. لن نخفض الراية، لأننا نؤمن أن طريق الحق لا ينتهي برحيل الأفراد. لطالما كان هذا هو النهج الإلهي: من يتمسك بعهوده يواصل المسيرة، وفي النهاية، سيتحقق وعد الله بالنصر للمؤمنين.

 

ارسال تعليق