بعد ساعات من نشر وسائل الإعلام الباكستانية تقارير عن الغارات الجوية التي شنها جيش البلاد على مناطق في أفغانستان، أدلى وزير الدفاع الباكستاني بتصريح غير مسبوق مفاده أن صبر إسلام آباد قد نفد.
أفادت وكالة أنباء عاشوراء، نقلاً عن وكالة مهر للأنباء: بعد ساعات من نشر وسائل إعلام باكستانية تقارير تفيد بأن الجيش الباكستاني شن غارات جوية على مناطق في أفغانستان، أدلى وزير الدفاع الباكستاني بتصريحات غير مسبوقة مفادها أن صبر إسلام آباد قد نفد وأن البلدين الجارين في حالة "حرب مفتوحة". وقد رفعت هذه التصريحات، التي نُشرت على شبكة التواصل الاجتماعي X، التوترات الحدودية التي شهدتها الأسابيع الأخيرة إلى مستوى جديد وخطير للغاية. وصرح خواجة آصف، بنبرة تعكس عزم إسلام آباد، للمسؤولين الأفغان بأن التسامح لم يعد مجدياً وأن ما يحدث هو حرب شاملة بين الجانبين.
في المقابل، أصدر المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، ذبيح الله مجاهد، بياناً قبل ساعات أعلن فيه بدء "عمليات هجومية واسعة النطاق" ضد القوات الباكستانية على طول ما يُسمى بخط ديوراند. هذا الخط الحدودي، الذي يزيد عمره عن قرن، لطالما كان موضع نزاع بين كابول وإسلام آباد، ولم تعترف به أفغانستان قط. والآن، أصبح هذا النزاع الطويل الأمد ذريعة لحرب قد تُشعل فتيل حرب في المنطقة بأسرها.
لماذا اندلعت الحرب؟ جذور أزمة عميقة
لفهم ما يجري على الحدود الشرقية لإيران اليوم، لا بد من العودة إلى الوراء شهورًا، بل سنوات. لم تهدأ التوترات بين باكستان وأفغانستان تحت حكم طالبان قط، ولكن في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وبعد أسبوع من الاشتباكات الحدودية الدامية، اتفق الطرفان على وقف هش لإطلاق النار بوساطة قطرية وتركيا. مع ذلك، لم يُنهِ وقف إطلاق النار الخلافات المتجذرة.
جوهر النزاع هو ما يُسمى بخط ديوراند، وهو خط حدودي بطول 2611 كيلومترًا رُسم خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية، ولا تزال أفغانستان تعتبره تقسيمًا غير طبيعي للمناطق ذات الأغلبية البشتونية. يرتبط هذا النزاع التاريخي الآن بأزمة أمنية عميقة. لطالما اتهمت إسلام آباد حركة طالبان الأفغانية بإيواء جماعات مسلحة معارضة لباكستان، ولا سيما حركة طالبان باكستان. تعمل حركة طالبان باكستان، التي ظهرت عام 2007، بشكل منفصل هيكليًا عن حركة طالبان الأفغانية، لكنها تربطها بها روابط أيديولوجية وقبلية عميقة.
في السنوات الأخيرة، تصاعدت الهجمات المسلحة في باكستان بشكلٍ ملحوظ، لا سيما في ولايتي خيبر بختونخوا وبلوشستان الحدوديتين. وتزعم إسلام آباد أن هذه الهجمات تُدار وتُموّل من الأراضي الأفغانية. وكتب مفتاح إسماعيل، وزير المالية الباكستاني السابق، على منصة التواصل الاجتماعي "إكس" أن بلاده "لا تُكنّ أي ضغينة تجاه المواطنين الأفغان الفقراء والشرفاء"، لكن حركة طالبان هي من جرّت باكستان إلى الصراع.
ومع ذلك، يعتقد المحللون أن حركة طالبان الأفغانية غير قادرة ولا راغبة في مواجهة حركة طالبان أفغانستان بجدية. وتقول بيرل بانديا، كبيرة محللي شؤون جنوب آسيا في مشروع بيانات حالة النزاعات المسلحة، إن العلاقات السابقة بين الجماعتين، فضلاً عن المخاوف من انضمام قوات حركة طالبان أفغانستان إلى تنظيم داعش-خراسان، الخصم الرئيسي لطالبان، حالت دون اتخاذ كابول أي إجراء حاسم. ترى إليزابيث ثريلكيلد، مديرة برنامج جنوب آسيا في معهد ستيمسون بواشنطن، أن التصعيد الحالي للتوتر لم يكن مستبعداً، فهو نتاج أشهر من التوتر المتراكم في العلاقات الثنائية. ووفقاً لها، تشير الهجمات الباكستانية الأخيرة إلى تحول في استراتيجية إسلام آباد نحو استخدام خيارات أكثر عدوانية.
ردود الفعل الدولية: قلق ودعوة لضبط النفس
على الصعيدين الإقليمي والدولي، تتجلى المخاوف من اتساع نطاق الصراع. فقد أدانت الهند، التي لطالما اتسمت علاقاتها مع باكستان بالتوتر، الغارات الجوية الباكستانية على أفغانستان في بيان لها. وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية، راندير جايسوال، بأن نيودلهي "تدين بشدة الهجوم على الأراضي الأفغانية الذي أسفر عن مقتل مدنيين أبرياء خلال شهر رمضان المبارك"، واصفاً هذه الخطوة بأنها محاولة لتبرير إخفاقات باكستان الداخلية.
إيران، الجارة لكلا البلدين والتي لطالما أكدت على ضرورة حل النزاعات سلمياً، تبنت موقف الوساطة. ودعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في رسالة على شبكة التواصل الاجتماعي "إكس"، البلدين إلى حل خلافاتهما عبر الحوار استناداً إلى مبادئ حسن الجوار. وأشار إلى شهر رمضان باعتباره شهر الزهد والتضامن في العالم الإسلامي، مؤكداً أن من المناسب لأفغانستان وباكستان اختيار طريق الحوار.
أما روسيا، فقد أعربت عن قلقها البالغ، ودعت الجانبين إلى وقف الهجمات عبر الحدود فوراً وحل الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية. وذكرت وكالة "ريا نوفوستي" أن موسكو أعلنت استعدادها للتوسط بين البلدين. كما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، عبر المتحدث باسمه، كلا الجانبين إلى الالتزام بالقانون الدولي وضبط النفس.
الخلاصة: بلغت التوترات الحدودية بين باكستان وأفغانستان مستوى غير مسبوق في آخر تطوراتها. ففي صباح يوم الجمعة، أعلن وزير الدفاع الباكستاني على وسائل التواصل الاجتماعي أن صبر إسلام آباد قد نفد وأن البلدين في حالة "حرب مفتوحة". جاءت هذه التصريحات عقب شنّ باكستان حملة جوية واسعة النطاق أُطلق عليها اسم "غادز الحق" ضد أهداف في أفغانستان. استهدفت الطائرات الحربية الباكستانية مناطق في العاصمة الأفغانية كابول، بالإضافة إلى ولايتي بكتيا وقندهار جنوب شرق البلاد، فجر الجمعة. وأفاد مسؤولون باكستانيون بأن الأهداف كانت مواقع دفاعية تابعة لحركة طالبان. وجاءت هذه الهجمات ردًا على هجوم مماثل شنته طالبان مساء الخميس، حيث استهدفت القوات الأفغانية مواقع باكستانية على طول الحدود المشتركة بين البلدين. وتعود هذه الاشتباكات إلى أشهر من تصاعد التوتر بين البلدين. لطالما اتهمت باكستان حركة طالبان الأفغانية بإيواء جماعات مسلحة معارضة لإسلام آباد، ولا سيما حركة طالبان باكستان. وقُتل أكثر من 1200 شخص في هجمات مسلحة في باكستان عام 2025، أي ضعف العدد المسجل عام 2021. ويقول مسؤولون باكستانيون إن العديد من هذه الهجمات نُفذت باستخدام أسلحة أمريكية كانت في حوزة طالبان بعد انسحاب القوات الأجنبية. ومما يزيد التوترات نزاع تاريخي حول ما يُسمى بخط ديوراند، وهو خط حدودي بطول 2611 كيلومتراً رُسم خلال فترة الاستعمار البريطاني، ولا تزال أفغانستان لا تعترف به. وتعتبر أفغانستان هذا الخط تقسيماً غير طبيعي للمناطق ذات الأغلبية البشتونية.
ارسال تعليق