موقف ترکیا من التهدید الذی یواجه إیران؛ دعم الاستقرار مع التنافس والتعاون.

يدرك المسؤولون الأتراك بوضوح مدى قوة إيران ومكانتها، ويعتبرون التهديدات الموجهة ضد طهران ضارة بالاستقرار الإقليمي.

startNewsMessage1

بحسب موقع عاشوراء نيوز، نقلاً عن وكالة تسنيم للأنباء، فإن مساعي أعداء إيران لاستغلال الاحتجاجات الداخلية وشن موجة جديدة من التهديدات ضد البلاد تتصدر عناوين الأخبار الإقليمية والعالمية منذ فترة طويلة. كما أولت وسائل الإعلام التركية اهتماماً بالغاً بالقضايا الإيرانية.

وتشير الأدلة إلى أن العديد من المحللين الأتراك، حتى في وسائل الإعلام التي لطالما كتبت بانحياز سلبي تجاه إيران، كانوا على دراية تامة بخطط الولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي في الوقت الراهن، وكان لديهم نظرة واقعية.

ويُظهر استعراض مواقف وتصريحات مسؤولين من حكومة أردوغان وحزب العدالة والتنمية أن مسؤولي أنقرة يدركون تماماً مدى قوة إيران ومكانتها، ويعتبرون التهديدات الموجهة ضد هذه الدولة الإقليمية المهمة ضارة باستقرار وأمن تركيا ودول المنطقة الأخرى.

بمعنى آخر، لا شك أن جزءًا من إعلان المسؤولين الأتراك دعمهم لإيران ينبع من العلاقات الودية بين طهران وأنقرة، وقد تجلى هذا الشعور بالصداقة بوضوح في المكالمة الهاتفية بين مسعود بيزكيان ورجب طيب أردوغان، رئيسي إيران وتركيا. لكن لا يمكن تجاهل حقيقة أن تركيا، في سعيها للحفاظ على علاقات ودية، تدرك تمامًا الدور الحيوي الذي تلعبه إيران في الحفاظ على الاستقرار والأمن الإقليميين، وتعرف أن التلاعب بأمن بلادها يُهدد استقرار المنطقة بأسرها.

وكان من بين المسؤولين الذين أكدوا على ضرورة الحفاظ على استقرار إيران وأمنها خلال هذه الفترة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووزير الخارجية هاكان فيدان، زعيم حزب العدالة والتنمية، والمتحدث باسم الحزب الحاكم عمر تشيليك، ورئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش.

وأكد أردوغان أن تركيا لا تقبل بأي تدخل أجنبي (عسكري أو عقوبات) في إيران، بل تعارضه. في غضون ذلك، أعلنت وزارة الخارجية التركية في بيان لها أنها تراقب عن كثب التطورات المتعلقة بإيران، وتعتبر هذا الوضع تهديدًا للاستقرار الإقليمي.

كما صرّح وزير الخارجية هاكان فيدان في عدة مقابلات: "يجب حل مشاكل إيران من خلال ديناميكياتها الداخلية، وتركيا تعارض أي تدخل عسكري".

وقد عارض فيدان التدخل العسكري بشكل واضح، مصرحًا: "أولوية تركيا هي منع زعزعة استقرار إيران. أي تدخل عسكري قد يُؤدي إلى أزمات إقليمية. من وجهة نظرنا، تبحث إسرائيل تحديدًا عن فرصة لمهاجمة إيران. هذا الموقف الإسرائيلي يُشكل تهديدًا للاستقرار الإقليمي". كما حذّر عمر تشيليك، المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، من أن التدخلات الخارجية ستؤدي إلى عواقب وخيمة.

 

رأي المحللين

في السنوات الأخيرة، أنشأت مجموعة TRT الإعلامية الحكومية مركزًا دوليًا للأبحاث السياسية يُسمى مركز TRT العالمي للأبحاث، والذي ينشر تقارير تحليلية عن إيران باللغتين الإنجليزية والتركية.

 

صرح معهد الأبحاث: "تتوخى تركيا الحذر في استغلال الأزمات لتصفية حسابات جيوسياسية، وهدفها الحفاظ على النظام ومنع التصعيد".

ويقول محمد كيليتش، المحلل المقرب من وزارة الخارجية التركية: "تتابع تركيا عن كثب التطورات في إيران من منظور الاستقرار الإقليمي وأمن الحدود. وتتمثل استراتيجية أنقرة في تجنب التدخل الأجنبي واستغلال الأزمات، وهي لا تعتبر الدعوة إلى تغيير الأنظمة في الدول الأخرى أمرًا جائزًا. كما حذرت تركيا من أن التدخل الأجنبي قد يؤدي إلى زيادة التوتر وعدم الاستقرار".

يُفصّل هذا التحليل الفهم الرسمي وغير الرسمي للسياسة الخارجية التركية في إطار الحفاظ على الاستقرار ومنع التداعيات السلبية لعدم الاستقرار في إيران.

وتُعدّ الدكتورة غولريز شين، المحللة والأكاديمية التركية، من بين القلائل الذين أشاروا، في تحليلهم للوضع الراهن في إيران، إلى مواقف نجل الشاه المخلوع بهلوي، واعتبرته شخصًا طموحًا.

 

تقول غولريز شين: "لا يزال طموح رضا بهلوي قائماً. وقد أدلى بتصريحات عديدة في الماضي، على فترتين، الأولى بعد ما يُسمى باحتجاجات مهسا أميني، والثانية بعد حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران. لكن هذه المرة أبدى حماساً أكبر لقيادة الاحتجاجات. وتشير الأدلة إلى أن التدخلات الإسرائيلية والأمريكية قد منحت رضا بهلوي دافعاً وشجاعة. وإلا، فلا مكان له في المجتمع الإيراني، وخاصة بين الأتراك والأكراد في إيران."

تركيا: أشار العديد من المحللين ووسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الدولية إلى الموقف الخاص للمسؤولين الأتراك تجاه الأمن الإيراني في الأيام الأخيرة، حيث أفادوا بأن أنقرة تراقب عن كثب جميع التطورات في إيران، وتشعر بالقلق إزاء استقرار المنطقة وأمنها.

ووفقاً لتحليل أجرته رويترز: "تركيا فاعل حذر في مواجهة التحديات التي تواجه إيران، وتريد دراسة كل شيء بعناية."

كما أشار المركز الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط إلى أن أنقرة لا تدعم بعض الاحتجاجات الداخلية في إيران، ولا تسعى إلى إضعاف أو تغيير بنية النظام السياسي الإيراني. في الواقع، يتمثل الشاغل الرئيسي في تركيا في الخوف من زعزعة الاستقرار على نطاق واسع في المنطقة، وما يترتب على ذلك من تداعيات أمنية، وتأثير جهات أجنبية.

ويشير تحليل مفصل أجراه معهد دولي (منتدى الشرق الأوسط) إلى أن "تركيا تنظر إلى الاحتجاجات وعدم الاستقرار باعتبارهما تهديدًا أمنيًا مباشرًا، ولا تؤيد التدخل الأجنبي لصالح الاحتجاجات أو تغيير النظام. وفي الوقت نفسه، تسعى تركيا إلى استخدام الحوار والدبلوماسية كأدوات رئيسية لحل النزاع. ولذلك، تُفضل حكومة أردوغان الحفاظ على العلاقات مع طهران لتجنب عواقب سلبية أكبر وتصعيد التوترات".

أشار بعض المحللين الأجانب المتخصصين في الشؤون الإيرانية والتركية، عند دراسة مواقف أنقرة من التطورات الأخيرة، إلى مفهوم التنافس ودوره في العلاقات الثنائية.

وفي هذا الصدد، قال المحلل الغربي دوريان جونز: "تعتبر أنقرة إيران منافسًا لها. ومع ذلك، أصبحت العلاقات أكثر ديناميكية، وحتى في الوضع الراهن، لا ترغب أنقرة في حرب أو تغيير للنظام، بل تسعى إلى تعزيز مكانتها في البيئة الإقليمية الجديدة".

كما يقول سونر كاجباتاي، الباحث التركي في معهد واشنطن: "على الرغم من معارضة تركيا للبرنامج النووي الإيراني، إلا أنها لا ترغب في انهيار الجمهورية الإسلامية، لأن فقدان الاستقرار في إيران قد يُخل بالنظام الإقليمي ويضر بمصالح تركيا الأمنية".

وباختصار، يمكن القول: من وجهة نظر المحللين الأتراك والعديد من مراكز الفكر الدولية، تُعد أنقرة وطهران خصمين جيوسياسيين، وتتداخل مصالحهما وتختلف في العديد من المجالات في الشرق الأوسط. مع ذلك، فإن هذا التنافس قائمٌ في المقام الأول على معايير النفوذ الإقليمي والقوة الناعمة والدور في الأزمات، وليس على مسار إضعاف كل طرف وتهديد بقائه.

فعلى سبيل المثال، يشير مركز الأبحاث التابع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن العلاقة بين أنقرة وطهران تتسم بـ"التنافس، وأحيانًا التعاون"، وأن تركيا غير مستعدة للانضمام إلى تحالف مناهض لإيران بمشاركة قوى أجنبية وتدخل عسكري، لأن مثل هذا العمل سيكون كارثيًا على مصالحها الوطنية.

 

ارسال تعليق